الخميس، 2 يوليو 2026

وعي الشراكة وعمق التمكين: قراءة تفكيكية في ثنائية "الوطن والبيت"


​رداً على المقاربات التقليدية لملف تمكين المرأة وتحميلها منفردةً عبء الاستقرار الأسري

بقلم: 

​شهد المجتمع السعودي في سياق ألفيته الجديدة قفزات تنموية كبرى أعادت صياغة المشهد الحضاري للمملكة برمتها، وهي قفزات لم تكن لتتحقق لولا الرؤية السديدة والإرادة السياسية الصلبة لعرّاب الرؤية سمو ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء -حفظه الله-. وفي طليعة هذه المكتسبات، حظي ملف "تمكين المرأة" بإعادة هيكلة تشريعية ونظامية شاملة، نقلتها من الهامش التنفيذي الضيق إلى عمق الشراكة التنموية الكاملة.

​بيد أن متابعة السجال الثقافي المصاحب لهذا التحول تكشف عن محاولات مستمرة من بعض الأقلام لتقديم قراءات "موجوسة" تُثبّط من اندفاعة هذا المنجز تحت دعاوى "الوعي الرشيد" وحماية البيوت من "التفكك". ولعل المقال المنشور مؤخراً بعنوان "بين كفالة النظام ورسالة الوعي: تمكين المرأة.. بناءٌ للوطن لا هدمٌ للبيوت"  يمثل نموذجاً جلياً لهذه المقاربات التي تنطلق من مديح الرؤية لتنتهي -عبر مسارات منطقية متناقضة- إلى إعادة إنتاج الخطاب التقليدي الذي يضع حقوق المرأة في كفة، واستقرار الأسرة في كفة أخرى.

​أولاً: مغالطة "الاختزال السيكولوجي" ووصم الاستقلالية بالانتقام

​ينزلق المقال سريعاً نحو تشخيص الحراك الاجتماعي للمرأة بوصفه "ردة فعل مفرطة" أو "انتقاماً من تعقيدات الماضي". إن هذا الوصف ينطوي على مغالطة منطقية كبرى تُعرف بـ "الاختزال النفسي"، حيث يتم تصوير ممارسة الحقوق النظامية والمادية المشروعة وكأنها محض "عقدة نفسية" أو اندفاع عاطفي أعمى.

​إن ما يسميه البعض "ردة فعل مفرطة" ليس سوى ممارسة طبيعية ومستحقة لخيارات المواطنة الكاملة التي كفلها النظام. فالمرأة التي تنطلق اليوم في قطاعات الاستثمار والتجارة والعمل القيادي لا تتحرك بدافع "الانتقام من الماضي"، بل بدافع "بناء المستقبل". وإن الاستمرار في قراءة طموح المرأة عبر عدسة "المرض النفسي" أو "التمرد العبثي" يعكس عجزاً عن استيعاب حجم الوعي القانوني والعملي الذي باتت تتمتع به المرأة السعودية المعاصرة. إن اختزال خروج المرأة المظفر إلى ميادين الإنتاج في رغبة انتقامية، هو تسطيح لحراك تنموي تقوده الدولة، ومصادرة لوعي المرأة التي ترى في التمكين واجباً وطنياً قبل أن يكون امتيازاً شخصياً.

​ثانياً: تراتبية العطاء والثنائية الوهمية بين الوطن والمنزل

​يطرح المقال معادلة غريبة حين يقرر أن نجاح المرأة لا يكتمل إلا بـ "خدمة نفسها أولاً داخل محيطها العائلي، ثم خدمة وطنها ثانياً". وهنا نتساءل: لماذا تُطالب المرأة حصراً بهذه التراتبية الصارمة؟ وهل يُطالب الرجل في الخطاب السائد بأن يقدم خدمة محيطه العائلي على خدمة وطنه وعمله كمقياس لنجاحه ووطنيته؟

​إن هذه الثنائية الوهمية تكرس النظرة التي ترى عمل المرأة مجرد "نشاط ثانوي" أو "رفاهية" يمكن التخلي عنها عند أول عارض أسري، في حين أن رؤية المملكة 2030 تنظر إلى طاقة المرأة كعنصر رئيسي لا يقل أهمية عن طاقة الرجل في دفع عجلة الاقتصاد الوطني. التكامل الحقيقي لا يعني صياغة تراتبية مجحفة تضع المرأة في موقف المعتذر الدائم عن نجاحها المهني، بل يعني صياغة مفهوم جديد لأسرة قائمة على "الشراكة المتبادلة" لا على "التضحية الأحادية".

​ثالثاً: تفكيك الأسرة أم تصحيح العلاقات القسرية؟

​يربط المقال بشكل ضمني بين تمكين المرأة وتفكك الروابط الأسرية. وهنا يغيب التحليل السوسيولوجي (الاجتماعي) العميق لصالح الانطباع السطحي. إن تمكين المرأة اقتصادياً وقانونياً قد أتاح لها -لأول مرة- القدرة على رفض التعامل غير العادل والتسلط غير المنطقي. البيوت التي تفككت عقب التمكين، في معظمها، هي بيوت كانت قائمة على "قسر مادي ونظامي" يجبر المرأة على تحمل الضيم لغياب البديل المادي أو القانوني الملاذ.

​بالتالي، فإن ما يراه الفكر التقليدي "تفككاً" قد يكون في كثير من الأحيان "تصحيحاً مسارياً" لعلاقات لم تكن صحية بالأساس. إن الاستقرار الأسري الحقيقي هو المستند إلى المودة والاختيار الحر والشراكة الوجدانية، وليس الاستقرار الزائف القائم على حاجة المرأة المادية وعجزها النظامي عن الحركة.

​رابعاً: أحادية الوعي وغياب المسؤولية التشاركية للرجل

​ينادي المقال بتكثيف برامج التوعية في المدارس والجامعات وورش العمل لحديثي التوظيف لغرس مفهوم "تكامل الأدوار" ومنع طغيان العمل على البيوت. والملاحظ هنا أن الخطاب، وإن تسربل بلغة عامة، إلا أنه يتوجه باللوم المبطن للمرأة، ويطالبها وحدها بابتكار صيغ التوازن والتحمل والإنتاج دون احتراق وظيفي أو عائلي.

​إن الخلل الحقيقي في المنظومة الأسرية المعاصرة لا يعود إلى خروج المرأة للعمل، بل إلى "ثبات الرجل" في مكانه التقليدي دون حراك. إننا لا نحتاج إلى توعية المرأة بكيفية تقليص طموحها لحماية استقرار البيت، بل نحتاج إلى توعية "الرجل" بضرورة تحمل مسؤولياته المنزلية والتربوية مناصفة مع شريكته. التكامل يعني أن يتنازل الرجل عن جزء من وقته واهتمامه لصالح بيته وأطفاله كما تفعل المرأة تماماً، ليتسنى للاثنين معاً بناء وطن طموح دون أن يُسحق أحدهما في سبيل الآخر.

​خاتمة: نحو وعي لا يستعير كوابح الماضي

​إن الأنظمة والقوانين العادلة التي سنتها القيادة الرشيدة لم تأتِ لتخلق بيئة تتصادم مع الوعي، بل جاءت لتصنع وعياً جديداً يتجاوز موروثات الوصاية والتعنت. والوعي الرشيد الذي نتطلع إليه ليس هو الوعي الذي يمارس دور "شرطي المرور" على طموح المرأة، أو يضع كوابح نفسية وثقافية تحت مسمى "الأولويات الأسرية".

​إن الوعي الحقيقي يتطلب الإيمان المطلق بأن تمكين المرأة هو بناء كامل ومستدام للوطن، وأن الأسرة المترابطة لا تُبنى بضمان بقاء المرأة مستضعفة أو معتذرة عن نجاحها، بل تُبنى عندما يصبح الرجل والمرأة شريكين متساويين في الحقوق والواجبات، وفي العمل والمنزل على حد سواء. هدا الله الجميع لرؤية الحقائق كما هي، لا كما تمليها مخاوف الماضي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق