الثلاثاء، 8 سبتمبر 2026

تبرئة فقيهة الأمة و أصوبهم رأياً من الخطأ وكشف أكاذيب التاريخ!

 

محمد الحربي:


بسم الله الرحمن الرحيم،


 اللهم لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت. أسأل الله عز وجل أن يوفقنا لكل خير، وأن يجعلنا من عباده المخلصين، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح.

أما بعد:

فهناك مقولة منسوبة إلى عمر بن عبد العزيز هي: "تلك فتنة عصم الله منها سيوفنا فلنعصم منها ألسنتنا"، وهذه المقولة توافق الحق وتوافق الدين الإسلامي، لأن الله سبحانه وتعالى بنص القرآن الكريم يقول: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ}، فنحن نسير على هذا الأساس وهو أن نتجنب الكلام عن تلك الفتنة بالكلية.

ولكن مع الأسف أن بعض المشايخ أو الدعاة ممن علمونا أن نسكت عن تلك الفتنة، هم أنفسهم يتكلمون عنها بكل جرأة ويقولون بأن علي بن أبي طالب هو المصيب في جميع حروبه ومن قتله -يعني قاتل علي- كان باغياً، ولا أدري كيف يدعون بأنهم لا يخوضون في تلك الفتنة في نفس الوقت الذي يصفون فيه أم المؤمنين عائشة والصحابة بأنهم بغاة! وأيضاً كيف يجزمون بأن علياً كان على الحق وهم ليسوا شهداء عيان؟

إن كان تصويب هذا الكلام -وأوجهه لهم- إن كان تصويب علي هو بنص قرآني، عندكم دليل من نص قرآني أو حديث نبوي فهاتوا ما عندكم، لكنكم بهذا تكونون قد كذبتم شيخ الإسلام ابن تيمية الذي نقل إجماع الصحابة وعلماء الأمة وفقهائهم على أن علياً لم يكن معه نص وإنما هو رأي رآه. فإن قلتم بهذا القول بأنها كانت مسألة آراء، فلماذا تطعنون بالصحابة وبمن أخذ برأيهم؟

ونحن ما دام أن هناك أناس يدعون أن علياً هو الذي كان على الحق، فسنرد عليهم ونتكلم عن تلك المعركة مثل معركة الجمل أو حتى صفين أو غيرها ولا نخشى في الله لومة لائم. واليوم سنتكلم بكلام مختصر عن حرب الجمل وحقيقة ما حدث فيها:

أولاً: بعد أن دخل المجرمون المدينة وقتلوا أمير المؤمنين عثمان، وبعدها أجبروا كبار الصحابة على بيعة علي كما بينا ذلك في المرة السابقة، خرج طلحة والزبير إلى مكة ثم اتفقوا على الذهاب إلى البصرة للتقوي بالجنود ثم القصاص من القتلة الذين قتلوا أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه.

فأول أكذوبة يكذبها المشايخ الذين يتكلمون عن حرب الجمل وهي أن أم المؤمنين عائشة خرجت للصلح، هي ومن معها خرجوا للصلح وليس للقصاص من قتلة عثمان! ولا أدري الصراحة يصلحون بين من ومن؟ الإصلاح مع من؟ هل سيصلحون مع قتلة عثمان بينهم وبين الصحابة مثلاً، أم بين علي ومعاوية، أم مع من يصلحون؟

في كتاب "البداية والنهاية" (الجزء 10، صفحة 432) يقول: «فر جماعة من بني أمية وغيرهم إلى مكة، واستأذن طلحة والزبير في الاعتمار فأذن لهما -يعني طلحة والزبير استأذنا علياً فخرجا إلى مكة وتبعهم خلق كثير وجم غفير- وكان علي لما عزم على قتال أهل الشام قد ندب أهل المدينة إلى الخروج معه فأبوا عليه، وطلب عبد الله بن عمر بن الخطاب وحرض...» إلى نهاية كلامه.

فعلي بن أبي طالب بعد أن خرج طلحة والزبير إلى مكة تبعهم خلق كثير من الصحابة والتابعين وغيرهم إلى مكة، وعلي بن أبي طالب أراد من أهل المدينة أن يخرجوا معه إلى قتال أهل الشام فلم يخرجوا معه.

حتى قال: «فاجتمع بمكة خلق من سادات الصحابة وأمهات المؤمنين، فقامت عائشة رضي الله عنها في الناس تخطب وتحثهم على القيام بطلب دم عثمان، وذكرت ما فُعل به من أولئك القتلة في بلد حرام وشهر حرام، ولم يراقبوا جوار رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد سفكوا الدماء وأخذوا الأموال، فاستجاب الناس لها وطاوعوا على ما تراه من الأمر واجتمع الأمر كله لهم» -يعني للصحابة الذين اختاروا هذا الرأي لأن أكابر الصحابة معهم-.

فهي ليست المسألة مسألة طلحة وحده أو الزبير وحده أو معاوية، نحن نقول دائماً الفتنة التي وقعت ليست بين علي ومعاوية وإنما هي بين الصحابة والبغاة. فتصويبكم لهذا الجيش بمجرد أن علي بن أبي طالب معه، فنحن نقول: هناك من الصحابة من هو أفضل من علي في الطرف المقابل.

ويقول: «وقال آخرون نذهب إلى المدينة فنطلب من علي أن يسلم إلينا قتلة عثمان فيقتلوا، وقال آخرون بل نذهب إلى البصرة فنتقوى بالخيل والرجال ونبدأ بمن هناك من قتلة عثمان»، فاتفق الرأي على ذلك. إذن هم اتفقوا أنهم يقتلون المجرمين الذين في البصرة ثم يعودون من هناك بالجنود ليقتصوا من قتلة عثمان الذين في المدينة.

ويقول في الصفحة التي بعدها: «فبعث عثمان بن حنيف عمران بن حصين وأبا الأسود الدؤلي... إلى أن قال: ذكرت لهما عائشة رضي الله عنها ما الذي جاءت به له من القيام بطلب دم عثمان لأنه قتل مظلوماً في شهر حرام وبلد حرام». يعني هي كان خروجها من الأساس -باعتراف ابن كثير الذي يرى أن علياً هو المصيب- يقر ابن كثير بأنها خرجت للقتال وليس للإصلاح.

بعد أن خرجت أم المؤمنين، لابد هنا للرافضة طبعاً أن يضعوا أحاديث مكذوبة ليجعلوا علي بن أبي طالب هو الذي على الحق، وهذا تجده في كل حرب خاضها علي بن أبي طالب حتى خلافة علي اخترعوا أحاديث "الخلافة 30 سنة" وإلى النهاية. ومن هذه الأحاديث التي لا اصل لها: حديث "كلاب الحوأب".

فهناك علماء كثيرون -سننقل لكم كلام نحو خمسة أو ستة من كبار الأئمة ضعّفوا حديث كلاب الحوأب-:

  1. ابن أبي حاتم في كتاب "العلل" (المجلد 6، صفحة 589) يقول: «وسألت أبي عن حديث رواه الأشج عن عقبة بن خالد عن ابن قدامة -يعني عصام- عن علقمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله لبعض نسائه: ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأدبب... إلى نهاية الحديث. قال أبي: لم يرو هذا الحديث غير عصام وهو حديث منكر». أبو حاتم الرازي الإمام الكبير يقول إن حديث كلاب الحوأب حديث منكر ليس ضعيفاً بل منكر.

  2. وسُئل أبو زرعة الرازي عن هذا الحديث فقال: «هذا حديث منكر لا يروى من طريق غيره».

  3. في كتاب "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للحافظ المزي (المجلد 24، صفحة 15): «وقال علي بن المديني: قال لي يحيى بن سعيد القطان: قيس بن أبي حازم منكر الحديث»، ثم ذكر له يحيى أحاديث مناكير منها حديث كلاب الحوأب.

  4. ابن الجوزي في كتاب "العلل المتناهية في الأحاديث الواهية" (صفحة 849) يقول: «يرويه عبد الرحمن بن صالح الأزدي الكوفي، قال موسى بن هارون: يروي أحاديث سوء في مثالب الصحابة، وقال ابن عدي: احترق بالتشيع» -يعني من شدة تشيعه وغلوه فيه-.

  5. القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب "العواصم من القواسم" يقول: «وأما الذي ذكرتم من الشهادة على ماء الحوأب فقد بؤتم في ذكرها بأعظم حوب -الحوب يعني الإثم- ما كان قط شيء مما ذكرتم ولا قال النبي ذلك الحديث ولا جرى ذلك الكلام»، فهو يرد هذا الحديث بالكلية.

هذا بالنسبة لحديث كلاب الحوأب وكلام الأئمة السابقين فيه، كأبي حاتم الرازي ويحيى بن سعيد القطان وأبي زرعة الرازي وغيرهم من الأئمة المتقدمين وليس الألباني.

فأم المؤمنين عائشة لما ذهبت، في "تاريخ الطبري" (المجلد 3، صفحة 228) قالت أم المؤمنين في خطبة طويلة تصف أولئك المجرمين الذين قتلوا عثمان: «فاستحلوا الدم الحرام فسفكوه، وانتهبوا المال الحرام، وأحلوا البلد الحرام والشهر الحرام، ومزقوا الأعراض والجلود، وأقاموا في دار قوم كانوا كارهين لمقامهم ضارين مضرين غير نافعين ولا متقين ولا يقدرون على امتناع...» إلى نهاية كلامها، فهي تصف أولئك البغاة بأنهم استحلوا الدم الحرام والشهر الحرام.

وقبل معركة الجمل، في كتاب "التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان" لأبي عبد الله الأندلسي (صفحة 181) ينقل رواية عن أم المؤمنين تقول: «لا تقتلوا إلا من قاتلكم» -وأصلها في تاريخ الطبري- «ونادوا: من لم يكن من قتلة عثمان فليكفف عنا فإنا لا نريد إلا قتلة عثمان ولا نبدأ أحداً بقتال»، وجاء طلحة والزبير ومن تبعهما واصطفوا للقتال. ثم ذكر أنه حصل بينهم قتال هم وحكيم بن جبلة إلى أن قال: «وكان حكيم بن جبلة فيمن غزا عثمان وكان يسب عائشة فذاق وبال أمره» -حكيم بن جبلة كان من أصحاب علي وكان يسب أم المؤمنين عائشة فقُتل- «وقُتل يومئذ ذريح ومن معه وابن المحرش ومن معه، وأفلت حرقوص بن زهير في نفر من أصحابه، ونادى منادي الزبير وطلحة بالبصرة: ألا من كان فيهم من قبائلهم أحد ممن غزا عثمان بالمدينة فليأت بهم، فجيء بهم كما يجاء بالكلاب فُقتلوا ولم يفلت منهم من أهل البصرة جميعاً إلا حرقوص بن زهير فإنه من بني سعد فمنعوه...» إلى النهاية، فمن بين 600 مجرم لم يفلت إلا شخص واحد وهو حرقوص بن زهير.

وكذلك ابن كثير في "البداية والنهاية" (الجزء 10، صفحة 448) يقول: «فبعث عليٌ القعقاع، فذهب القعقاع إلى البصرة فبدأ بعائشة أم المؤمنين فقال: أي أمه، ما أقدمك هذه البلدة؟ فقالت: أي بني، إصلاح بين الناس، فسألها أن تبعث إلى طلحة والزبير ليحضرا عندها فحضرا، قال القعقاع: إني سألت أم المؤمنين ما أقدمها فقالت: إصلاح بين الناس، فقال: ونحن كذلك، قال: أخبرني ما وجه الإصلاح، فوالله لئن عرفناه لنصلحن ولئن أنكرناه لنصلحن، قال طلحة: قتلة عثمان» -يعني الشرط الأول هو أن تسلموا قتلة عثمان فإن تركهم ترك للقرآن- «فقال: قتلتهم قتلة عثمان من أهل البصرة قتلتهم 600 رجل»، قتلوا 600 رجل إلا حرقوص بن زهير الذي هرب.

وبعد ذلك، جاء علي بن أبي طالب ومن معه من المدينة إلى البصرة.

والكذبة الأخرى التي يروج لها أولئك الدعاة هي أن معركة الجمل حدثت في الليل، وأن مجموعة غاروا على هؤلاء ووقع القتال بينهم، وهذه أسطورة لا يقبلها العقل السليم؛ فالثابت في صحيح البخاري وفي كتب التاريخ الصحيح أن معركة الجمل حدثت في النهار وليس في الليل:

  • في "صحيح البخاري" (رقم 3129) عن عبد الله بن الزبير قال: «لما وقف الزبير يوم الجمل دعاني فقمت إلى جنبه، فقال: يا بني، إنه لا يُقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم، وإني لا أراني إلا سأُقتل اليوم مظلوماً»، فهم كانوا مستعدين للقتال في النهار.

  • في "تاريخ خليفة بن خياط" (صفحة 191) عن عمرو بن مرة قال: «سمعت عبد الله بن سلمة والحارث بن سويد تذاكرا يوم الجمل، فقال الحارث: لا والله ما رأيت مثل يوم الجمل، لقد أُشرعت الرماح في صدورنا وأُشرعت في صدورهم حتى لو شاءت الرجال أن تمر عليها لمرت، فوالله لوددت أني لم أشهد ذلك اليوم».

  • وعن الحارث بن جُمهان الجعفي قال: «لما كان يوم الجمل أشرعنا الرماح في صدورهم وأُشرعت في صدورنا حتى لو شاء الرجال أن تمشي على الرماح لفعلت، وأنا أسمع هؤلاء يقولون: لا إله إلا الله والله أكبر، وهؤلاء يقولون أيضاً نفس الجملة».

  • في كتاب "الطبقات الكبير" لابن سعد (الجزء 7، صفحة 94) عن محمد بن الحنفية -وهو ابن علي بن أبي طالب- وذكر يوم الجمل فقال: «لما تصافوا أعطاني علي الراية فرأى مني نكوصاً لما دنا الناس بعضهم إلى بعض فأخذها مني فقاتل بها» -وهذه الرواية ثابتة حتى في كتب الشيعة الرافضة أن علياً قال لمحمد بن الحنفية: جَبُنَ الفتى أو كَعْكَعَ، ووصفه بـ "يا ابن اللخناء"-.

ومن الأحاديث التي اخترعوها أيضاً أن النبي قال للزبير: "تقاتل علياً وأنت ظالم له"، وهذه أوردها الحاكم صاحب المستدرك ومن على شاكلته.

ففي كتاب "مختصر المستدرك" للحافظ الذهبي (صفحة 2070): «قال علي للزبير: أما تذكر يوم كنتَ أنا وأنت فقال لك رسول الله: أتحبه؟ فقلتَ: وما يمنعني؟ قال: أما إنك ستخرج عليه وتقاتل وأنت ظالم، قال: فرجع الزبير». يقول الذهبي: «قلتُ: فيه محمد بن سليمان العابد لا يُعرف والحديث فيه نظر». فالذهبي مع تصويبه لرأي علي لكنه يقول إن هذا الحديث ليس صحيحاً.

وقد نقل محقق الكتاب كلاماً طويلاً وبين ضعف الأسانيد لعلة الإرسال، وبالجملة فليس في طرق الحديث طريقة تسلم من الضعف، والحديث معلول المتن كما يظهر من عبارات الأئمة، ومنهم العقيلي الذي قال: «الأسانيد في هذا لينة»، وذكر قول البخاري عن حديث عبد الله الرقاشي: «لم يصح حديثه»، وقال العقيلي أيضاً: «لا يُروى هذا المتن من وجه يثبت»، وذكر ابن الجوزي بعض طرقه في العلل المتناهية وقال: «هذا حديث لا يصح»، وهذا ما عناه الذهبي بقوله: «والحديث فيه نظر»، فالحديث لا اصل له والساقط سنداً ومتناً.

أما ما حصل لأم المؤمنين عائشة من أذية، ففي كتاب "منهاج السنة" لابن تيمية (الجزء 4، صفحة 354) -وهو ممن يرى تصويب علي بن أبي طالب- لما رد على الرافضي ابن المطهر الذي قال إن طلحة والزبير أهانوا أم المؤمنين بإخراجها معهم، قال ابن تيمية: «الطعن في علي بذلك أوجه؛ فإن طلحة والزبير كانوا معظمين لعائشة، موافقين لها، مؤتمرين بأمرها، وهي من أبعد الناس عن الفواحش والمعاونة عليها، فإن جاز لرافضي أن يقدح فيهما يقول: بأي وجه تلقون رسول الله مع أن الواحد منا لو تحدث مع امرأة غيره حتى أخرجها من منزلها وسافر بها، مع أن ذلك إنما جعلها بمنزلة الملكة التي يؤتم بأمرها وتُطاع ولم يكن إخراجها لمظنة الفاحشة... كان للناصبي أن يقول: بأي وجه يلقى رسولَ الله من قاتل امرأته وسلط عليها أعوانه حتى عقروا بها بعيرها؟ وسقطت من هودجها وأعداؤها حولها يطوفون بها كالمسبحة بها، من يقصد سباها، ومعلوم أن هذا في مظنة الإهانة لأهل الرجل وهتك وسباء وتسليط الأجانب على قهرها وإذلالها وسبيها وامتهانها أعظم من إخراجها من منزلها بمنزلة الملكة العظيمة المبجلة التي لا يأتي إليها أحد إلا بإذنها... فلولا أنه كان في العسكر محمد بن أبي بكر مد يده إليها لمد يده إليها الأجانب، ولهذا دعت عائشة رضي الله عنها على من مد يده إليها وقالت: يد من هذه؟ أحرقتها الله بالنار! فقال: أي أخية، في الدنيا قبل الآخرة؟ قالت: في الدنيا قبل الآخرة، فأُحرق بالنار بمصر».

وهنا أمر يلفت الانتباه: لو كانت أم المؤمنين عائشة على الباطل وكان أخوها محمد بن أبي بكر على الحق يقاتل أهل الباطل، فكيف يستجيب الله عز وجل لدعاء أهل الباطل ضد أهل الحق؟

ويقول ابن تيمية: «فعائشة قد سُبيت واستُحلت حرمة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم...» إلى نهاية كلامه.

وقد دعت أم المؤمنين على رجل آخر؛ ففي "البداية والنهاية" لابن كثير (الجزء 10، صفحة 468): «إن أُعين بن ضبيعة المجاشعي اطلع في هودج عائشة فقالت: إليك لعنك الله! فقال: والله ما أرى إلا حُمَيْراء، قالت: هتك الله سترك وقطع يدك وأبدى عورتك»، فُقتل بالبصرة وسُلب وقُطعت يده ورُمي عرياناً. فكيف يستجيب الله دعوة صاحب الباطل ضد أهل الحق؟

ومن الأحاديث المناقضة أيضاً أن قاتل الزبير بشّره علي بن أبي طالب نفسه بالنار! ففي "مسند أحمد" (صفحة 94) عن زر قال: «استأذن ابن جرموز على علي وأنا عنده، فقال علي: بشر قاتل ابن صفية بالنار، سمعت رسول الله يقول: لكل نبي حواري وحواريَّ الزبير». ولا أدري كيف يكون قاتل الزبير في النار وهو كان مع علي بن أبي طالب؟ فهل الحق كان مع الزبير حتى يكون قاتله في النار؟ وبالتالي من يرضى بصلب قتل الزبير أو يرى تصويب قاتله يكون من أهل النار!

وعن عدد القتلى في حرب الجمل، يقول ابن كثير في "البداية والنهاية" (الجزء 10، صفحة 469): «وكان مجموع من قُتل يوم الجمل من الفريقين 10 آلاف، خمسة من هؤلاء وخمسة من هؤلاء»؛ 5000 ممن كانوا يدافعون عن أم المؤمنين عائشة، و5000 ممن كانوا في الطرف الآخر. أفنصوب من أراد سبْي أم المؤمنين أم من أراد الدفاع عنها وعن حرم رسول الله عليه الصلاة والسلام؟

وبعد انتهاء المعركة، ندم علي بن أبي طالب نفسه على ما فعل، وهذا يدل على أنه كان مخطئاً؛ ففي كتاب "السنة" لعبد الله بن الإمام أحمد (المجلد 2، صفحة 589) عن قيس بن عباد قال: «قال علي لابنه الحسن يوم الجمل بعد أن انتهت المعركة: يا حسن، ليت أباك مات من عشرين سنة! فقال الحسن: يا أبتِ، قد كنت أنهاك عن هذا. قال: يا بني، لم أرَ الأمر يبلغ هذا».

فعلي بن أبي طالب -إن صحت الرواية- ندم على ما فعله، وتلك حجة تبين أنه لم يكن معه نص، لا حديث "كلاب الحوأب" ولا "تقاتل علياً وأنت ظالم"، وكلها أساطير يناقضها لسان علي وحاله.

هذا ما أردت ذكره الليلة، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعا لاتباع الدليل وأن لا يتوفانا إلا وهو راضٍ عنا. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.


تتأسس الحجة القائلة بإن موقف أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير رضي الله عنهم في معركة الجمل كان هو الموقف المطالب بالحق والصواب، على أن خروجهم لم يكن لمنازعة في خلافة ولا لطلب سلطة، بل لإقامة حد الشرع بالقصاص من قتلة الخليفة المظلوم عثمان بن عفان رضي الله عنه، وإنهاء هيمنة أولئك المجرمين الذين فرضوا نفوذهم في عسكر البصرة والمدائن.

أدلة وبراهين موقف أم المؤمنين عائشة ومن معها

  • الاستناد للقصاص الشرعي: كان خروج أم المؤمنين قائماً على نص قرآني صريح يوجب القصاص لقوله تعالى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا}؛ حيث رأت عائشة وكبار الصحابة كطلحة والزبير (وهما من العشرة المبشرين بالجنة) أن ترك القتلة دون قصاص يُعدُّ تعطيلاً لأحكام الشريعة وتمكيناً لأهل الباطل والفتنة.

  • غياب النص المعصوم لدى علي: لم يكن مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه نصٌّ من القرآن أو السنة يوجب تأخير القصاص أو يمنع أولياء عثمان من المطالبة بدمه، بل كان موقفه قائماً على رأي واجتهاد سياسي يرى تأجيل الحد حتى تستقر الدولة، بينما كان رأي الطرف الآخر يستند إلى الأصل الشرعي بوجوب إقامة الحدود وعدم المداهنة.

  • ندم علي على ما آلت إليه المعركة: تُثبت الروايات التاريخية ألم علي بن أبي طالب وندمه الشديد بعد انقضاء المعركة، كقوله لابنه الحسن: «يا حسن، ليت أباك مات قبل هذا بعشرين سنة!»، مما يدل على أن الخوض في تلك المعركة لم يكن بأمر توقيفي أو نص معصوم، بل كان فتنة واجتهاداً أديا إلى سفك دماء زكية.

حادثة أخذ الراية من محمد بن الحنفية

من الحوادث التاريخية الثابتة التي تُستشهد بها في بيان حدة القتال والاضطراب الذي وقع يوم الجمل، موقف علي بن أبي طالب مع ابنه محمد بن الحنفية عند حمل الراية:

  • تفاصيل الموقف: لما تصاف الفريقان واشتد القتال يوم الجمل، دفع علي بالراية إلى ابنه محمد بن الحنفية وأمره بالتقدم بها في وسط العسكر. فلما استقبلت محمداً السهام والنوابل وتكاثف الرماة، توقف ونكص قليلاً ولم يتقدم بالشكل الذي حثه عليه علي.

  • نزع الراية والعبارة: لما رأى علي رضي الله عنه توقف ابنه، اشتد غضبه وتقدم إليه حتى انتزع الراية من يده بنفسه، ثم ضربه بقائمة السيف وقال له ناهراً ومقذعاً إياه بسبب أمه خولة بنت جعفر الحنفية: «يا ابن اللخناء، أدركك عِرْقُ أُمِّك!» (واللخناء في لسان العرب تُقال تعييراً للنسب من غير القريشيات أو الإماء، بقصد نفيه الشجاعة التي يحملها بنو هاشم عن جانب أمه). ثم أخذ علي الراية وتقدم بها بنفسه.

المصادر التاريخية للحادثة:

  1. الطبقات الكبرى لابن سعد (الجزء الخامس / ترجمة محمد بن الحنفية): أورد رواية دفع الراية لمحمد بن الحنفية يوم الجمل ونكوصه لما استقبله النبل، ونزع علي للراية منه وقوله له: «أدركك عِرقٌ من أُمِّك».

  2. تاريخ الطبري (تاريخ الأمم والملوك - أحداث سنة 36 هـ): ذكر وقائع معركة الجمل وحمل محمد بن الحنفية للراية واشتداد القتال ونهر علي له عند توقفه.

  3. أنساب الأشراف للبلاذري (الجزء الثاني): نقل تفاصيل الواقعة وقول علي لابنه عندما زجلت السهام: «أدركك عرق من أمك» ونزعه الراية منه.

  4. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (الجزء الأول) وكتاب الجمل للشيخ المفيد: أوردا الرواية باللفظ المذكور («فأخذ الراية منه وقال له: يا ابن اللخناء، أدركك عرق أمك»).

  5. مروج الذهب للمسعودي (الجزء الثاني): ذكر الأثر في معرض وصف شدة القتال يوم الجمل ومواقف الحاملين للرايات.

الاثنين، 7 سبتمبر 2026

خروج أم المؤمنين للإصلاح

 





تُبين الشواهد التاريخية والنصوص الحديثية الصحيحة بطلان الدعاوى التي تحصر دور المرأة المسلمة في الملازمة المطلقة للبيت وتمنعها من المشاركة في الجهاد أو القضايا العامة، وهي الشبهات التي يُروّج لها بعض الخصوم للطعن في مسلك أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وخروجها للإصلاح.

أدلة خروج النساء في الغزوات من صحيح البخاري

تزخر أمهات كتب الحديث بأبواب صريحة تؤكد مشاركة المرأة في الغزوات:

  • حديث عائشة في القرعة: أورد البخاري حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في القرعة بين النساء إذا أراد النبي ﷺ الخروج للغزو، وأنها خرجت معه بعد نزول آية الحجاب [المصدر: صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب حمل الرجل امرأته في الغزو دون بعض نسائه، المجلد الرابع، ص 89، حديث رقم 2879].

  • حديث أنس بن مالك في معركة أحد: أورد البخاري حديث أنس بن مالك رضي الله عنه حين إنهزم الناس عن النبي ﷺ، قال: "ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان تنقلان القرب على متونهما تُفرغانها في أفواه القوم". وهو ما يوضح الدور الميداني والإسنادي الكبير للمرأة في أشد الأوقات حرجاً [المصدر: صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال، حديث رقم 2880].

تفكيك شبهة "جهادكن الحج" وفهم الفقهاء لها

قد يحتج البعض بحديث النبي ﷺ لعائشة رضي الله عنها عندما سألته عن جهاد النساء فقال: "لكن أفضل الجهاد حج مبرور" [المصدر: صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب جهاد النساء، حديث رقم 2875]، إلا أن شراح الحديث كابن بطال الأندلسي والمهلب بن أبي صفرة فصّلوا المراد من هذا الحديث:

  • تفرقة ابن بطال بين جهاد الطلب وجهاد الدفع: يُحمل حديث "جهادكن الحج" على "جهاد الطلب" حين تكون الدولة آمنة مستقرة ويخرج الجيش للفتح، فهنا لا يجب القتال على النساء. أما إذا حلّ العدو بالبلاد أو وقعت الفتنة واحتل الخصوم أجزاء من الدولة، أصبح الجهاد والدفاع "فرض عين" على الجميع، وتعين على النساء المشاركة بما يستطعن، وهو ما قامت به فقيهة الأمة عائشة رضي الله عنها [المصدر: شرح صحيح البخاري لابن بطال، المجلد الرابع، ص 19].

  • توجيه المهلب لآية "وقرن في بيوتكن" ولبّ الإصلاح: بيّن المهلب أن الأمر بالملازمة في الآية ليس فرضاً جازماً يحظر الخروج المطلق لجميع الأغراض، بل يخرج الحديث الآية عما تأولها أهل البدع. فخروج عائشة إلى العراق كان لمصلحة شرعية راجحة وهي الإصلاح بين المسلمين؛ والمقصود به هنا هو إصلاح الأمة بكاملها عبر التخلص من قتلة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه وإقامة القصاص العادل منهم، إذ إن تطهير الدولة من الخوارج والقتلة هو لبّ الإصلاح وعماده الأساسي لاستعادة هيبة الشريعة واستقرار المجتمع الإسلامي [المصدر: شرح صحيح البخاري لابن بطال، المجلد الرابع، ص 19 (نقلاً عن المهلب بن أبي صفرة)].

  • استدلال أم المؤمنين حفصة: أورد المفسرون وشراح الحديث استدلال أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها بقولها: "قدمت علينا امرأة غزت مع النبي صلى الله عليه وسلم ست غزوات، وقالت: كنا نداوي الكلمى ونقوم على المرضى"، مما يدل على استقرار مشروعية خروج النساء للمصالح الشرعية [المصدر: شرح صحيح البخاري لابن بطال، المجلد الرابع، ص 19 / المصنف لابن أبي شيبة].

غزو المرأة في البحر: دلالة حديث أم حرام بنت ملحان

من أعظم الأدلة على إقرار النبي ﷺ لمشاركة المرأة في العمليات العسكرية ما رواه البخاري ومالك عن أم حرام بنت ملحان رضي الله عنها (خالة النبي ﷺ من الرضاعة)؛ حين نام عندها ثم استيقظ ضاحكاً، فسألته عن السبب، فقال: "ناس من أمتي عُرِضوا عليّ غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكاً على الأسرة". فقالت: "يا رسول الله ادعُ الله أن يجعلني منهم". فلم يقل لها النبي ﷺ "قري في بيتكِ" أو إن الجهاد محرم عليكِ، بل دعا لها: "اللهم اجعلها منهم". وقد تحقق ذلك في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، حيث ركبت البحر مع أول أسطول بحري إسلامي بقيادة معاوية بن أبي سفيان، ونالت الشهادة هناك [المصدر: صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب غزو المرأة في البحر، حديث رقم 2877 / وموطأ الإمام مالك، كتاب الجهاد، باب ما جاء في الجهاد في البحر].

الازدواجية والتحيز لدى الخصوم

إن إسقاط الآيات الخاصة بالملازمة على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها للطعن في خروجها، مع التغاضي عن خروج أمهات وفاضلات أخريات، يكشف عن ازدواجية واضحة؛ فالذين يشنعون على عائشة خروجها للإصلاح، هم أنفسهم يبيحون:

  • خروج فاطمة رضي الله عنها للمطالبة بفيء أبيها والميراث من أبي بكر الصديق [المصدر: صحيح البخاري، كتاب فرض الخمس، باب فرض الخمس، حديث رقم 3092].

  • خروج زينب بنت علي رضي الله عنهما مع أخيها الحسين إلى كربلاء [المصدر: تاريخ الطبري، الأحداث المرافقة لواقعة كربلاء، المجلد الخامس].

فمنطق العدل يقتضي الامتناع عن التطفيف والتحكم بالأهواء عند التعامل مع الوقائع التاريخية.

المنهج المحدثي في نقد الروايات ضعيفة الإسناد

عند فحص الروايات التي تحاول المساس بجناب أم المؤمنين عائشة وقارها، يظهر ضعفها وتدليس أسانيدها عند تطبيق قواعد الحديث النقدية [المصدر: المصنف لابن أبي شيبة، المجلد الثاني، ص 343]:

  • الإرسال والعنعنة: غالب هذه الطرق تدور حول خالد بن مهران الحافظ البصري عن أبي معشر، عن إبراهيم بن يزيد النخعي، وهو مكثر من الإرسال، عن علقمة والأسود.

  • موقف الإمام مالك من مرويات الكوفة: نقل ابن أبي خيثمة أن الإمام مالك بن أنس قال لأهل الكوفة: "لم يأخذ أولونا عن أوليكم.. قد كان علقمة والأسود ومسروق فلم يأخذ أحد منا عنهم" [المصدر: التاريخ الكبير لابن أبي خيثمة، باب من كره الأخذ عن أهل الكوفة].

فالروايات الكوفية التي تحمل مطاعن أو إرسالاً في حق الصحابة وأمهات المؤمنين تُرد منهجياً ولا تُقبل، اقتداء بمسلك أئمة النقد كالإمام مالك، وترجيحاً للنصوص الصحيحة الثابتة في الأصول كصحيح البخاري وموطأ مالك.