الاثنين، 7 سبتمبر 2026

خروج أم المؤمنين للإصلاح

 





تُبين الشواهد التاريخية والنصوص الحديثية الصحيحة بطلان الدعاوى التي تحصر دور المرأة المسلمة في الملازمة المطلقة للبيت وتمنعها من المشاركة في الجهاد أو القضايا العامة، وهي الشبهات التي يُروّج لها بعض الخصوم للطعن في مسلك أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وخروجها للإصلاح.

أدلة خروج النساء في الغزوات من صحيح البخاري

تزخر أمهات كتب الحديث بأبواب صريحة تؤكد مشاركة المرأة في الغزوات:

  • حديث عائشة في القرعة: أورد البخاري حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في القرعة بين النساء إذا أراد النبي ﷺ الخروج للغزو، وأنها خرجت معه بعد نزول آية الحجاب [المصدر: صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب حمل الرجل امرأته في الغزو دون بعض نسائه، المجلد الرابع، ص 89، حديث رقم 2879].

  • حديث أنس بن مالك في معركة أحد: أورد البخاري حديث أنس بن مالك رضي الله عنه حين إنهزم الناس عن النبي ﷺ، قال: "ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان تنقلان القرب على متونهما تُفرغانها في أفواه القوم". وهو ما يوضح الدور الميداني والإسنادي الكبير للمرأة في أشد الأوقات حرجاً [المصدر: صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال، حديث رقم 2880].

تفكيك شبهة "جهادكن الحج" وفهم الفقهاء لها

قد يحتج البعض بحديث النبي ﷺ لعائشة رضي الله عنها عندما سألته عن جهاد النساء فقال: "لكن أفضل الجهاد حج مبرور" [المصدر: صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب جهاد النساء، حديث رقم 2875]، إلا أن شراح الحديث كابن بطال الأندلسي والمهلب بن أبي صفرة فصّلوا المراد من هذا الحديث:

  • تفرقة ابن بطال بين جهاد الطلب وجهاد الدفع: يُحمل حديث "جهادكن الحج" على "جهاد الطلب" حين تكون الدولة آمنة مستقرة ويخرج الجيش للفتح، فهنا لا يجب القتال على النساء. أما إذا حلّ العدو بالبلاد أو وقعت الفتنة واحتل الخصوم أجزاء من الدولة، أصبح الجهاد والدفاع "فرض عين" على الجميع، وتعين على النساء المشاركة بما يستطعن، وهو ما قامت به فقيهة الأمة عائشة رضي الله عنها [المصدر: شرح صحيح البخاري لابن بطال، المجلد الرابع، ص 19].

  • توجيه المهلب لآية "وقرن في بيوتكن" ولبّ الإصلاح: بيّن المهلب أن الأمر بالملازمة في الآية ليس فرضاً جازماً يحظر الخروج المطلق لجميع الأغراض، بل يخرج الحديث الآية عما تأولها أهل البدع. فخروج عائشة إلى العراق كان لمصلحة شرعية راجحة وهي الإصلاح بين المسلمين؛ والمقصود به هنا هو إصلاح الأمة بكاملها عبر التخلص من قتلة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه وإقامة القصاص العادل منهم، إذ إن تطهير الدولة من الخوارج والقتلة هو لبّ الإصلاح وعماده الأساسي لاستعادة هيبة الشريعة واستقرار المجتمع الإسلامي [المصدر: شرح صحيح البخاري لابن بطال، المجلد الرابع، ص 19 (نقلاً عن المهلب بن أبي صفرة)].

  • استدلال أم المؤمنين حفصة: أورد المفسرون وشراح الحديث استدلال أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها بقولها: "قدمت علينا امرأة غزت مع النبي صلى الله عليه وسلم ست غزوات، وقالت: كنا نداوي الكلمى ونقوم على المرضى"، مما يدل على استقرار مشروعية خروج النساء للمصالح الشرعية [المصدر: شرح صحيح البخاري لابن بطال، المجلد الرابع، ص 19 / المصنف لابن أبي شيبة].

غزو المرأة في البحر: دلالة حديث أم حرام بنت ملحان

من أعظم الأدلة على إقرار النبي ﷺ لمشاركة المرأة في العمليات العسكرية ما رواه البخاري ومالك عن أم حرام بنت ملحان رضي الله عنها (خالة النبي ﷺ من الرضاعة)؛ حين نام عندها ثم استيقظ ضاحكاً، فسألته عن السبب، فقال: "ناس من أمتي عُرِضوا عليّ غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكاً على الأسرة". فقالت: "يا رسول الله ادعُ الله أن يجعلني منهم". فلم يقل لها النبي ﷺ "قري في بيتكِ" أو إن الجهاد محرم عليكِ، بل دعا لها: "اللهم اجعلها منهم". وقد تحقق ذلك في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، حيث ركبت البحر مع أول أسطول بحري إسلامي بقيادة معاوية بن أبي سفيان، ونالت الشهادة هناك [المصدر: صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب غزو المرأة في البحر، حديث رقم 2877 / وموطأ الإمام مالك، كتاب الجهاد، باب ما جاء في الجهاد في البحر].

الازدواجية والتحيز لدى الخصوم

إن إسقاط الآيات الخاصة بالملازمة على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها للطعن في خروجها، مع التغاضي عن خروج أمهات وفاضلات أخريات، يكشف عن ازدواجية واضحة؛ فالذين يشنعون على عائشة خروجها للإصلاح، هم أنفسهم يبيحون:

  • خروج فاطمة رضي الله عنها للمطالبة بفيء أبيها والميراث من أبي بكر الصديق [المصدر: صحيح البخاري، كتاب فرض الخمس، باب فرض الخمس، حديث رقم 3092].

  • خروج زينب بنت علي رضي الله عنهما مع أخيها الحسين إلى كربلاء [المصدر: تاريخ الطبري، الأحداث المرافقة لواقعة كربلاء، المجلد الخامس].

فمنطق العدل يقتضي الامتناع عن التطفيف والتحكم بالأهواء عند التعامل مع الوقائع التاريخية.

المنهج المحدثي في نقد الروايات ضعيفة الإسناد

عند فحص الروايات التي تحاول المساس بجناب أم المؤمنين عائشة وقارها، يظهر ضعفها وتدليس أسانيدها عند تطبيق قواعد الحديث النقدية [المصدر: المصنف لابن أبي شيبة، المجلد الثاني، ص 343]:

  • الإرسال والعنعنة: غالب هذه الطرق تدور حول خالد بن مهران الحافظ البصري عن أبي معشر، عن إبراهيم بن يزيد النخعي، وهو مكثر من الإرسال، عن علقمة والأسود.

  • موقف الإمام مالك من مرويات الكوفة: نقل ابن أبي خيثمة أن الإمام مالك بن أنس قال لأهل الكوفة: "لم يأخذ أولونا عن أوليكم.. قد كان علقمة والأسود ومسروق فلم يأخذ أحد منا عنهم" [المصدر: التاريخ الكبير لابن أبي خيثمة، باب من كره الأخذ عن أهل الكوفة].

فالروايات الكوفية التي تحمل مطاعن أو إرسالاً في حق الصحابة وأمهات المؤمنين تُرد منهجياً ولا تُقبل، اقتداء بمسلك أئمة النقد كالإمام مالك، وترجيحاً للنصوص الصحيحة الثابتة في الأصول كصحيح البخاري وموطأ مالك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق