الأربعاء، 9 سبتمبر 2026

مفهوم التشيع الإمامي ومسؤولية الدعاة


بنصرف من محاضرة الشيخ\ محمد المكي  حفظه الله


 الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وإخوانه.

حيّاكم الله جميعًا أيها الإخوة. لقد قدّمنا لهذه الحلقة وأمثالها، وبيّنّا سابقًا أن على طلبة العلم والدعاة مسؤولية مكافحة التشيع، ولا سيما الإخوة المتصدرين للتربية والدعوة. وبيّنّا ما يُسمّى "التشيع الإمامي"، وأن هناك مرضًا آخر يُعدّ البذرة الأولى للتشيع الإمامي، سواء كان الموسوي أو الإسماعيلي.

فالتشيع الإمامي يرتكز على الاعتقاد بأن هناك أشخاصًا يتصرفون في الكون مع الله باسم "الولاية التكوينية"، وتكفير المهاجرين والأنصار، والاعتقاد بنقص القرآن وتحريفه. وهذه قضايا أصبحت معلومة ومستقرة حتى عند عامة أهل السنة. ولكن السؤال: ما هو أصل التشيع؟ وكيف نكافحه؟

منهجية تصحيح المفاهيم وإظهار الجانب البشري

إن مكافحة التشيع تكون بإظهار الجانب البشري في شخصية علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ ليس من أجل التنقيص منه، ولكن لتعزيز التوازن في أذهان أهل السنة وإصلاح الخلل إن وجد. فإذا كان بعض أهل السنة يظن أن عليًا رضي الله عنه أفضل من الخلفاء الثلاثة —سواء صرّح بذلك أم لم يصرح— فعلينا مسؤولية إصلاح هذا الخلل. فنقول: كما أنه قد يُنسب لبعض المهاجرين والأنصار أخطاء (سواء صدقًا أو كذبًا)، فإن علي بن أبي طالب رضي الله عنه يخطئ ويصيب كسائر إخوانه من الصحابة.

وقبل سرد الأخطاء التي وقعت من علي رضي الله عنه —وهي أخطاء حقيقية ومنهجية وليست من باب التشنيع— نريد أن نبيّن لأهل السنة (حيث إن هذا البث موجه أساسًا لأهل السنة، وللشيعة تبعًا لهم) ونوثّق هذه المسائل من كتب السنة والشيعة. والاعتماد هنا على كتاب "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" (بإشراف الشيخ شعيب الأرنؤوط)، لاحتياجنا لكلام الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرح الروايات.

بداية التشيع ومسألة التربيع بعلي رضي الله عنه

ورد في صحيح البخاري، تحت «باب فضل أبي بكر بعد النبي صلى الله عليه وسلم»:

  • الحديث الأول: عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كُنَّا نُخَيِّرُ بَيْنَ النَّاسِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنُخَيِّرُ أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، ثُمَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ».

    • المصدر: صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل أبي بكر بعد النبي صلى الله عليه وسلم، حديث رقم (3655). [فتح الباري، المجلد 7، الصفحة 16].

إن بداية التشيع ليست في مسألة مزاحمة علي بن أبي طالب لعثمان رضي الله عنهما، وإنما هي في "التربيع بعلي"؛ أي الاعتقاد بأن علي بن أبي طالب أفضل من جميع بقية المهاجرين والأنصار مطلقًا وتفضيله عليهم جميعًا، فهذا هو بداية التشيع. والسبب في ذلك أن الأدلة الصريحة دلت على تفضيل أبي بكر وعمر وعثمان وأنهم خير أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، بينما لا يوجد دليل عند أهل السنة يقتضي أن عليًا أفضل مطلقًا من بقية الصحابة بعد الثلاثة.

تفسير الحافظ ابن حجر وأدلة السنة التقريرية

قال الحافظ ابن حجر في شرحه للحديث:

«قوله: (باب فضل أبي بكر بعد النبي صلى الله عليه وسلم) أي في رتبة الفضل، وليس المراد البعدية الزمانية، فإن فضل أبي بكر كان ثابتًا في حياته كما دل عليه حديث الباب».

أي إن الإمام البخاري تقصد التنبيه على أن أبا بكر هو أفضل الصحابة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وليس فقط بعد وفاته.

ثم أورد الحافظ ابن حجر الشرح والتفصيل للروايات:

«قوله: (كنا نخيّر بين الناس في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي نقول فلان خير من فلان. وفي رواية عبيد الله عن نافع الآتية في مناقب عثمان: (كنا لا نعدل بأبي بكر أحدًا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا نفاضل بينهم)».

  • الحديث الثاني: رواية «كنا لا نعدل بأبي بكر أحدًا...».

    • المصدر: صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عثمان بن عفان رضي الله عنه، حديث رقم (3697). [فتح الباري، المجلد 7، الصفحة 55].

فالتربيع بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه لم يكن معروفا بين الصحابة، وإنما جاء في تقريرات متأخري العلماء. أما الصحابة فلم يكونوا يجعلون رابع الصحابة علي بن أبي طالب في التفضيل المطلق، بل كانوا يمسكون بعد الثلاثة ولا يفاضلون.

وقد جاء في الروايات الأخرى ما يؤكد هذه السنة التقريرية:

  • الحديث الثالث: عن سالم عن ابن عمر رضي الله عنهما: «كُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيٌّ: أَفْضَلُ أُمَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ».

    • المصدر: سنن أبي داود، كتاب السنة، باب في التفضيل، حديث رقم (4627). [المجلد 4، الصفحة 206].

  • الحديث الرابع (زيادة الطبراني): «...فَيَسْمَعُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ فَلَا يُنْكِرُهُ».

    • المصدر: المعجم الكبير للطبراني، حديث رقم (13143). [المجلد 12، الصفحة 288].

فهذه سنة تقريرية ثابتة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمع الصحابة يفضلون أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ولا ينكر عليهم ذلك. أما تفضيل أي شخص بعينه بعد الثلاثة فلا يوجد عليه دليل مرفوع، وإنما هي تقريرات واجتهادات لمن جاء بعدهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق