الخميس، 10 سبتمبر 2026

الرجل الذي مرّ التاريخ من خلاله

 




الدكتور ساري يرد على احد المحاورين :


ولولا شخصية معاوية هذا—كما قيل من أحد المؤرخين—لانهار الإسلام كما انهارت النصرانية على يد بولس ومرقص ويوحنا وكذا.

أما عندما نريد أن نقرأ سيرة سيدنا معاوية، فهنا يجب صدقاً أن يتوقف الكلام قليلاً نوعاً ما؛ لأننا لا نتحدث عن رجل مرّ بالتاريخ، بل نتحدث عن رجل مرّ التاريخ من خلاله. معاوية بن أبي سفيان ليس اسماً صغيراً يمكن أن تضعه في هامش كتاب، وبعد ذلك تغلق الكتاب وتنام! لا، معاوية كان دمشق عندما أصبحت دمشق القالب السياسي للعالم الإسلامي. معاوية بن أبي سفيان كان هو البحر عندما صار المسلمون يخرجون من حدود الصحراء إلى فضاء بلاد قبرص ورودس. معاوية بن أبي سفيان كان هو السياسة يوم كانت السياسة تُمارس بالسيف والرسالة فقط، لا بالمؤتمرات الصحفية والمنشورات الإلكترونية!

ثم يأتيك رجل حائض بعد 1400 عام يقول لك: «معاوية هذا هو الباغي!»، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! أحاول بالعباسي وبغباء أن يحشر اسم سيدنا معاوية في زاوية، وهذا المحترم منهم يحشره في زاوية "الولي الثائر لدم ابن عمّه"، وكأن مشروع الرجل لم يتجاوز ثائراً قبلياً ضيقاً! هذه حيلة من ليس لديه أفق تاريخي أصلاً. هم يتجاهلون الحقيقة التي لا يجرؤون حتى على النظر إليها: أن الدولة التي أسسها محمد هي التي سقطت، وليس عثمان وحده من سقط! وبالطبيعي، عندما تسقط الدولة تسقط رموزها، ولا يبقى لصحابتها وزن ولا ذكرى.

في تلك اللحظة ظهر معاوية، ليس كما يصوّره هذا العباسي الضئيل، بل كما يفرض المنطق السياسي العميق: رجل أدرك أن الثأر مجرد قضية، أما سقوط دولة محمد فهو سقوط الرسالة وسقوط التاريخ! أدرك هذا الرجل أن العظمة ليست في أن تبكي قتيلاً، بل في أن تنقذ أمة كانت خير أمة. هذا هو معاوية؛ أعاد إحياء الدولة لما تمزقت، وحافظ على شكل دولة الرسالة السماوية التي بدونها كان يمكن للإسلام صدقاً أن يكون حكاية تُروى في متحف اللوفر، لا قوة تحكم!

لو أردنا تقييم هذا العمل بميزان الفعل والعقل والمنطق، فهذا أعظم من الثأر لرجل بألف مرة. كان ثأره لرسالة سماوية كاملة، لوجود كامل، ولآخر شعلة من نظام السماء على الأرض. هذا هو معاوية. عندما سقط عثمان، لم يسقط رجل، بل سقط كيان دولة محمد نفسه، دولة الوحي التي حولت الرجال من عبادة الأوثان إلى صحابة يحملون مشروع السماء.

ثم يأتيك عباسي حائض، برأس مربع، يقول لك: «معاوية كان باغياً وكان يبحث عن السلطة!»، والمحترم منهم يقول: «قتلتَ ابن عمي وأنا سأسامحك، وسأبايعك لأنك أفضل مني!»... انظروا إلى هذا الهبل! جننونا، يسيرون وفق خريطة مزورة ويدمرون معها سيدنا معاوية!

أدرك سيدنا معاوية أن الثأر لرجل أمر يسير، لكن إعادة إحياء دولة محمد هو الثأر لرسالة السماء نفسها. أعاد للحكم مركزه، وللوحي سطوته، وللأمة وعيها وعقلها السياسي. لم يكن رجل دم، بل كان رجل دولة. لم يكن يبكي عثمان، بل كان يمنع دولة محمد من الانطفاء.

وهذا صنيع عمر؛ وضعه قائداً لجهاز أمن الدولة، وجعله بعيداً عن مركز الخلافة. رؤية ثاقبة لسيدنا عمر، وكأنه يقول: في حال سقطت العاصمة، فرئيس جهاز أمن الدولة البعيد عن المركز يعيد الدولة إلى ما كانت عليه. كان معاوية يفهم أن سقوط الدولة هو سقوط الإسلام، وأن ترك الأمة للتمزق هو قمة الخيانة لرسالة السماء. دم عثمان نقطة، وسقوط الدولة محيط من الفوضى. الثأر لرجل يستطيعه أي شخص، أما إعادة بناء الدولة بعد زلزال هز السماء والأرض فلا يقدر عليه إلا رجل اختاره الله كمعاوية.

لم يقف في وجه قتلة عثمان فقط، بل وقف في وجه موت الرسالة نفسه. صنع من الفوضى نظاماً، ومن التشظي وحدة، ومن الانهيار استمراراً لأخر دولة حملت نور الوعي.

كيف استطاع معاوية أن يفعل كل هذا؟ كيف أقام مركزاً سياسياً بالغ القوة في الشام؟ كيف أدار دولة مترامية الأطراف؟ كيف واجه بيزنطة؟ كيف دخل المسلمون في عهده البحر المتوسط بقوة؟ كيف أصبحت الدولة الأموية أعظم دولة على الأرض في وقتها؟ هذه الأسئلة لا تجيب عنها كلمة «كان باغياً»! أنت الباغي يا حمار! تقول عن كاتب الوحي يدعو إلى النار؟ أسألكم بالله، لو أردت دعوة صديقي بيتر للإسلام، هل أقول له: «انتظر، كاتب الوحي هو زعيم البغال الذين يدعون إلى النار»؟!

عندما يعجز عصر عن محو إنجاز رجل، يبدأ بتغيير صورته. المنتصر لا يملك السيف فقط، بل يملك القلم والحبر الحرام. السيف يقتل الرجل مرة واحدة كالرصاصة، أما القلم بالحبر الحرام فيعيد تشكيل صورته ألف مرة. الدولة العباسية لم تكن مجرد دولة جاءت بعد الأمويين، بل كانت مشروعاً دمويّاً أدار الدولة كما تُدار المواد الخطرة، قام على إسقاط شرعية معاوية (شيخ العرب وشيخ البيت الأموي) ووضع شرعية جديدة لا نعلم من أين جاءت. أصبح الماضي جزءاً من المعركة لدى العباسيين؛ يرفعون رجلاً ويضعون آخر. لكن لديهم مشكلة: اللوحة يمكن نقلها، أما الجدار فلا... ومعاوية بحجم جدار يصعب تحريكه."

الأدلة والمصادر التاريخية للحقائق والادعاءات الواردة في المقطع

القطب التاريخي / الادعاء في المقطعالدليل والتحقيق التاريخيالمصادر التراثية والمعتمدة
تأسيس أسطول البحر الإسلامي وفتح قبرص ورودسأصر معاوية على بناء أول أسطول بحري للمسلمين لحماية الشام من البيزنطيين، وركب البحر في غزوة قبرص عام 28 هـ ثم ورودس، وتحقق به حديث النبوة.

* صحيح البخاري (حديث أم حرام: «أول جيش من أمتي يركبون البحر قد أوجبوا»).


* البداية والنهاية لابن كثير (ج 7، أحداث سنة 28 هـ).

تولية عمر بن الخطاب لمعاوية وإدارته للشامولاه عمر بن الخطاب على الشام بعد وفاة أخيه يزيد بن أبي سفيان في طاعون عمواس (18 هـ)، وأقره طوال خلافته لإدارته وحزمه، وكان عمر يثني على عقله وسياسته.

* الطبقات الكبرى لابن سعد (ج 7).


* تاريخ الرسل والملوك للطبري (ج 4).


* الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر.

كتابة الوحي والصحبةأسلم معاوية بن أبي سفيان وكان ممن يكتبون للرسول ﷺ الوحي والرسائل والعهود.

* صحيح مسلم (حديث ابن عباس في كتابة معاوية للني ﷺ).


* الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني.

تحويل دمشق إلى مركز سياسي وتأسيس الدواويننقل معاوية مركز الخلافة إلى دمشق عام 41 هـ (عام الجماعة)، وأنشأ ديوان الخاتم وديوان البريد، ووضع أسس الدولة المركزية.

* مقدمة ابن خلدون (فصل: تحول الخلافة إلى الملك).


* الأحكام السلطانية للماوردي.

تأثير التدوين العباسي على التاريخ الأموي ("الحبر الحرام")بدأ تدوين التاريخ الإسلامي المنهجي في العصر العباسي (منتصف القرن الثاني الهجري)، مما أدخل نقدًا وسياسات مناهضة لبني أمية لتثبيت الشرعية العباسية.

* مقدمة ابن خلدون (في منهج تحري الأخبار وزيوف التاريخ).


* منهج النقد التاريخي د. أكرم ضياء العمري.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق